سوء اختيار التخصص الجامعي عقبة على طريق النجاح

صحيفة دار الخليج -

يواجه العديد من الطلبة حيرة وتردداً عند اختيار التخصص الجامعي الملائم والذي يلبي طموحاتهم ويتناسب مع قدراتهم العلمية وميولهم الشخصية، في حين يجد البعض أنفسهم قد وقعوا في دوامة، لطالما شكلت لديهم صعوبة في الخروج منها جراء اختيارهم تخصصات يكتشفون بعد فوات الأوان عدم مقدرتهم على متابعتها، وأنهم إذا استمروا عليها فإن الفشل قد يكون حليفهم، مما يتسبب في ضياع جهودهم وسنوات دراستهم عند لجوئهم لتغيير المساق الدراسي .

الأسباب التي تقف وراء ذلك عديدة، منها ما يتعلق بتدخل الأهل من خلال الضغط الذي يمارسونه على الأبناء لاختيار التخصص الذي يرونه من وجهة نظرهم مناسباً مع وجود معارضة شديدة من الطالب نفسه، إلى جانب ضعف الدور المنوط بالمدرسة في توجيه الطالب نحو متابعة دراسته وفقاً لرغباته ووضعه الأكاديمي، فضلاً عن القصور الذي تلعبه بعض المؤسسات التي يعول عليها توضيح احتياجات سوق العمل ومتطلباته، وتعد جميعها عوامل تسهم في حالة من الشعور بعدم الاستقرار وضعف الرؤيا لدى الطالب .

ويظل الطالب يدور في حلقة مفرغة ويصبح ضحية التردد ونقص التوجيه، وبالتالي تؤثر كل تلك المعطيات في سير عملية دراسته، والتي قد تتسبب فيما بعد في انسحابه وابتعاده عن الدراسة نهائياً، نظراً للشعور بالإحباط وعدم القدرة على المواصلة، وبالتالي خسارة تلك الطاقات والكفاءات البشرية التي تعتبر عنصراً أساسياً ورافداً من روافد عملية التنمية .

وبحسب ما يؤكد تربويون وطلبة فإن الالتحاق بالجامعة يظل حلماً يراود الطلبة، ويبذلون جهوداً كبيرة في التعلم لتحقيقه لكونه يرسم معالم المستقبل لهم ويمهد للحياة العملية، إلا أن المسألة الشائكة التي تبرز بعد الانتهاء من التعليم العام والانتقال إلى التعليم الجامعي، تتمثل في تحديد التخصص المناسب للطالب، الذي قد يقع في شرك اختيار تخصص صعب لا يتلاءم مع قدراته ومستواه العلمي جراء عدم الدراية الكافية، في حين ان اختيار التخصص المطلوب والمناسب يعزز قدرة الطالب على مواصلة مشواره الدراسي بتفوق ونجاح .

جامعة الشارقة من أوائل الجامعات التي تنبهت إلى تلك الإشكالية التي يعاني منها الطلبة، وبادرت إلى إيجاد حلول ناجعة لها عن طريق تخصيص استبيان موجه لطلبة المرحلة الثانوية، يهدف إلى قياس قدرات الطالب وميوله الشخصية لمساعدته على حسن اختيار التخصص الجامعي المناسب، كما تؤكد الدكتورة نادية فرحات مديرة وحدة التوجيه الأكاديمي واستقطاب الطلبة في جامعة الشارقة .

وتضيف فرحات أن هذا الاستبيان قام بإعداده نخبة من الأساتذة والمختصين في الجامعة ويشرف عليه مرشدون ذوو كفاءة عالية، ويتضمن الاستبيان الذي يمكن الوصول إليه عن طريق الموقع الإلكتروني الخاص بالجامعة، ليكون في متناول الطلبة 40 سؤالاً تتضمن كل الجوانب النفسية والعلمية والاجتماعية الخاصة بالطالب، ويتم التواصل مع الجامعة عن طريق الهاتف أو البريد الإلكتروني، أو من خلال الزيارة الشخصية .

وتقول إنه تم إعداد هذه الاستمارة الإلكترونية منذ 6 أشهر وقد لاقت نجاحاً كبيراً، إذ زار الموقع أكثر من ألف طالب حتى الآن، وهذا دليل على نجاح الفكرة وملامستها لجوانب مهمة تتصل باحتياجاتهم ومستوياتهم، إذ ساعدتهم بطريقة علمية على تحديد التخصص الذي يرغبون في دراسته .

وتتابع: العديد من الطلبة يجدون صعوبة في اختيار نوع الدراسة في الجامعة، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على الطالب في حال اختيار تخصص غير مناسب، إلى جانب ملاحظة مشاكل تتصل برغبة الأهل في تدريس أبنائهم تخصصاً دون آخر، وبما يتعارض مع الميول الشخصية للأبناء، وقد ينتج عن ذلك عدم القدرة على الاستمرارية

في الدراسة والبحث عن تخصص ثان بعد فترة، وبالتالي ضياع جهودهم سدى، وقد تتأزم القضية وتصل إلى تركهم الدراسة بشكل نهائي .

وتقول يجب على الأهل ترك مساحة لأبنائهم ومناقشتهم بهدوء لاختيار التخصص المناسب، وتقديم النصح والإرشاد لهم بعيداً عن الضغوط حتى يتسنى لهم استكمال دراستهم عن رغبه، ومن ثم تحقيق النجاح الذي يتطلعون إليه، فضلاً عن تفعيل قنوات الاتصال بالجهات التعليمية لأخذ النصح والمشورة .

ونحن بدورنا نخصص يوماً للطلبة وأولياء الأمور كل عام بوجود أساتذة وأكاديميين ومختصين من الجامعة، ويتم عرض البحوث الجامعية للطلبة القدامى بهدف إرساء فكرة عامة عن التخصصات التي تدرس في الجامعة، وتقديم الإرشاد لهم، والرد على ملاحظاتهم واستفساراتهم، كما تقوم الجامعة بزيارات ميدانية للمدارس لتثقيف الطلبة، إضافة إلى استضافتهم في الجامعة لذات الغرض .

وأرجع الدكتور أحمد فلاح العموش رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة الشارقة وجود مشكلة اختيار التخصص إلى غياب الوعي وضعف قنوات الاتصال مع الجهات ذات الاختصاص لاسيما المدرسة، التي يقع على عاتقها دور كبير في توعية الطالب بإمكاناته وما يناسبه من تخصصات خلال مرحلة الدراسات العليا، من خلال اكتشاف مواهبه، ولذلك يجب على المدرسة دراسة إمكانات الطالب والجوانب التي يتميز بها والعمل على توجيهه بالشكل الذي يتوافق مع ميوله وقدراته، ولكن الحاصل أن المدارس تركز حالياً على التحصيل العلمي للطالب فقط، وتهمل الجوانب الأخرى .

ويقول: “في الكثير من الأحيان يكون اختيار الطالب للتخصص الذي سيدرسه عفوياً ودون دراسة أو تخطيط، أو تقوم العائلة بهذا الدور، وبعد مرور الوقت لا يجد الطالب ذاته، ويكتشف انه أخطأ في اختيار تخصصه ولكن في وقت متأخر، بعد إهدار جهوده وزمن الدراسة، ويقود ذلك إلى انسحاب الطالب من الحياة الجامعية وعدم تفاعله مع زملائه، وقد يصاب بالإحباط الذي يقود للفشل، وتنتهي بتركه الجامعة” .

ويضيف هناك ضغوط تفرض من قبل أولياء الأمور على أبنائهم، وهو الأمر الذي لا ننصح به، حيث إن الأهل مطالبون بتوجيه اهتمامات وقدرات وميول أبنائهم بالاتجاه الصحيح، ومساعدتهم على اختيار التخصص المرغوب من قبلهم، كما أن على الطالب أيضاً أن يتواصل مع الجامعات ويستشير أهل الاختصاص حتى يكون بمنأى عن سوء الاختيار .

أضف إلى ذلك أن المؤسسات والوزارات التي تعنى بالجانب العملي تضطلع بدور كبير في التعريف بحاجات سوق العمل والتخصصات الملائمة التي يحتاجها، حتى تتوافق مخرجات التعليم مع الحاجات الفعلية للسوق، وبالتالي استفادة الطالب من التخصص الذي درسه .

من جانبه يرى أحمد عبدالله حامد طالب في جامعة الشارقة (سنة أولى تخصص هندسة مدنية) أن الطالب الشخص الوحيد القادر على اختيار التخصص الملائم له والذي يتوافق مع إمكاناته ورغباته، ولكن دون إهمال رأي ذويه، إلى جانب الإلمام بكافة الجوانب الأخرى التي تحيط بدراسته، بحيث لا تتعارض مع واقع السوق واحتياجاته .

ويضيف أنه يعارض كافة أشكال التدخل الممزوج بلغة الإجبار والإلحاح من قبل الأهل، وأن هذه الأسلوب قد يحول دون رضا الابن عن دراسته لذلك التخصص الذي حددوه له، وبالتالي حدوث علاقة عكسية، فيكره الطالب واقعه ويحاول التنصل منه، ويقوده ذلك إلى الفشل .

وتوافقه الرأي لطيفة يوسف تخصص هندسه مدنية سنة ثانية، قائلة: “لا بد من الشعور بالرضا من قبل الطالب أو الطالبة عند اختيار تخصص يدرسونه إذ إنه يشكل مصير حياتهم المستقبلية، ويعلقون عليه آمالهم وأحلامهم، لذا فالقناعة التامة يجب أن تتوافر لدى الطالب عند اختيار تخصصه، وإن التردد يؤدي به إلى التخبط في اختيار ما يناسبه، وتكون العواقب سلبية” .

وتضيف: اخترت تخصصي بناء على رغبة مني، إذ إن والدي درس نفس التخصص، ومن هذا المنطلق وخلال فترة دراستي بالمدرسة استزدت معرفة حول طبيعة هذا التخصص، وأحببته، علماً بأن والدي كان من أشد المعارضين لذلك، حيث لم ألق تشجيعاً منه منطلقاً كون التخصص لا يتناسب مع الفتاة بشكل عام من وجهة

نظره، ولكني أصررت على موقفي، وتقبل والدي رأيي وها أنا أمضي بنجاح في الدراسة، ولم أشعر يوماً بندم على اختياري هذا، بل على العكس .

أما محمد جمعة الدويج طالب في جامعة الشارقة ويدرس الهندسة الكهربائية فيقول إنه كان على دراية تامة لحظة اختيار تخصصه، وذلك بعد أن أخذ فكرة واضحة عنه من خلال عمه الذي درس التخصص نفسه، ولاقى تشجيعاً من قبل الأهل، الأمر الذي أسهم في تميزه في تحصيله العلمي، ولم يجد أية صعوبات بل كان التوفيق حليفه .

ويضيف أن صديقاً له، وبعد أن أمضى أكثر من عامين في ذات التخصص، توقف ولم يستطع مواصلته، واضطر إلى تغيير دراسته، ما أضاع وقته وجهده وماله هباء، لذا أتمنى على الطلبة عدم التعجل باختيار التخصص الذي سيقدمون عليه حتى لا يصيبهم الندم فيما بعد .

آمنة الحمادي وإيمان الزرعوني وعلياء عبدالله طالبات في جامعة الشارقة يدرسن الهندسة المعمارية، أجمعن على أنهن درسن هذا التخصص عن رغبة وتشجيع من قبل الأهل، كونه يتناسب مع ميولهن ومواهبهن في الرسم والتصميم، ما أدى إلى تفوقهن في مجالهن، على عكس بعض زميلاتهن اللواتي غيرن تخصصاتهن نظراً لعدم تكافؤ مستوياتهن وميولهن مع التخصص، إلى جانب اعتبارات أخرى منها العشوائية في الاختيار من دون تخطيط مسبق أو مساعدة سواء من المدرسة أو الأهل .

شارك بتعليقك

عليك أن تسجل دخولك لكي تشارك بتعليقك.